مدرسة بتلمسان كانت تضم حدائق وصهريجًا ومكتبة… ماذا نعرف عنها؟


 كانت تلمسان خلال الحكم الزياني تضم عددًا من المدارس التي لم تكن مجرد فضاءات للتدريس، وإنما مؤسسات متكاملة تجمع بين التعليم والإقامة والأوقاف والمرافق المرتبطة بحياة الطلبة والعلماء. ومن أكثر هذه المدارس إثارة للاهتمام مدرسة أقامها السلطان أبو حمو موسى الثاني عند ضريح والده أبي يعقوب، ثم ارتبطت باسم أحد أشهر علماء تلمسان في القرن الثامن الهجري، أبي عبد الله محمد الشريف التلمساني. واللافت أن أخبار هذه المدرسة لم تصلنا من مصدر واحد، بل وصفها عدد من المؤرخين، وكل واحد منهم حفظ لنا جانبًا مختلفًا من شكلها ووظيفتها والحياة التي كانت تدور داخلها.

يحدثنا محمد بن عبد الله التنسي في نظم الدرر والعقيان في بيان شرف بني زيان عن المكانة الكبيرة التي كان أبو عبد الله الشريف يحظى بها لدى السلطان، فيصفه بأنه «شريف العلماء وعالم الشرفاء»، ويذكر أن أبا حمو كان يحبه ويعظمه ويستعين به حتى في بعض الأمور المهمة. وبعد وفاة والد السلطان أبي يعقوب، بُنيت المدرسة التي ارتبطت بضريحه، ثم نُقل إليه مع أخويه السلطانين أبي سعيد وأبي ثابت. وعندما اكتمل بناء المدرسة، عُيّن أبو عبد الله الشريف للتدريس فيها، وحضر السلطان أول مجلس له، وجلس على الحصير مع الحاضرين «تواضعاً للعلم وإكراماً له». وبعد انتهاء المجلس أشهد السلطان على الأوقاف التي خصصها للمدرسة، وكسا طلبتها وأطعم الناس. ويضيف التنسي أن الشريف استمر في التدريس فيها حتى ختم تفسير القرآن، فأقيم احتفال كبير بهذه المناسبة وأطعم الناس مرة أخرى.

ويعطينا كتاب مناقب التلمسانيين لعبد الله بن محمد بن يوسف القيسي الثغري التلمساني تفاصيل أدق عن شكل المدرسة. فعندما عاد أبو عبد الله الشريف من المغرب وجد المدرسة التي كان يدرّس بها سابقًا قد أصبحت بيد شيخه القاضي أبي العباس أحمد بن الحسن، فبدأ الإقراء في مسجد قريب من داره يسمى مسجد درب ابن حلاوة. ثم توفي أبو يعقوب والد السلطان، فبنى أبو حمو على ضريحه، بحسب وصف المصدر، «مدرسة عظيمة بديعة البناء، غريبة الشكل، فسيحة الساحة، نزيهة المنظر، مندفقة المياه، مخضرة الرياحين، ملتفة البساتين». وهذا الوصف يعطينا صورة مختلفة تمامًا عما قد نتخيله اليوم عند سماع كلمة «مدرسة»؛ فالمكان كان يبدو أقرب إلى مجمع علمي تحيط به الحدائق والنباتات وتخترقه المياه.

ولم يقتصر الأمر على قاعات التدريس. فقد بنى السلطان لأبي عبد الله الشريف داخل هذا المركب «داراً فسيحة حسنة، ومصرية لكتبه ونظره»، أي مكانًا خاصًا لإقامته وآخر لحفظ كتبه ومطالعتها. كما خُصص للمدرسة وقف كبير، يقول المصدر إنه كان «يزيد على ألف دينار ذهبا في السنة»، وكانت منه تؤدى الجرايات وترتب الأرزاق. وعندما اكتمل البناء وجرت المياه في المدرسة استدعى السلطان الشريف لبدء التدريس ورتب الطلبة بها، ثم حضر مجلسه وجلس مرة أخرى على الحصير تواضعًا للعلم، وبعد ذلك أشهد على الأحباس وأطعم الناس وكسا جميع الطلبة.

ولدينا أيضًا شهادة مهمة ليحيى بن خلدون، الذي عاصر دولة أبي حمو ودوّن جانبًا من أحداثها. ففي تحفة الرواد في ذكر الملوك من بني عبد الواد يذكر أن السلطان «صرف وجه العناية والاهتمام إلى المدرسة الموضوعة على ضريح والده المرحوم المولى المقدس أبي يعقوب»، ثم يتحدث عن زيادة العمال، والعناية بالمغارس والأبنية والغروس، وتوسيع الأوقاف وتعيين الجرايات. ويذكر صراحة اختيار أبي عبد الله محمد بن أحمد الشريف الحسني للتدريس بها، كما يحدد بداية الإقراء فيها في خامس شهر صفر، ويقول إن السلطان حضر ذلك اليوم بنفسه وأنه كان «يوماً مشهوداً».

لكن أكثر الأوصاف تفصيلًا للجانب المعماري نجده في كتاب زهر البستان في دولة بني زيان، وهو كتاب مجهول المؤلف. فقد ذكر أن أبا حمو أمر بأن تُقام بإزاء روضة والده «مدرسة لقراءة القرآن والعلوم»، ثم وصفها بأنها «مليحة البناء، واسعة الفناء»، وأن أرضها كانت مزينة بالزليج، وأن بجانبها بستانين غرست فيهما أصناف النباتات والروائح الطيبة. ويخبرنا كذلك بوجود صهريج مستطيل للماء، وعلى طرفيه قطع من الرخام ينساب منها الماء. وينتهي المؤلف إلى التعبير عن إعجابه الشديد بالمبنى فيقول: «فيا لها من بنية ما أبهجها… وأحسنها شكلاً وأجملها».

وعندما نجمع هذه الأخبار المتفرقة تتكون أمامنا صورة مدهشة لهذه المدرسة: ضريح يضم عددًا من أفراد الأسرة الزيانية، ومدرسة لتدريس القرآن والعلوم، ودار للعالم الذي يتولى التدريس، ومكان لحفظ كتبه، وبساتين ورياحين، وصهريج تتدفق فيه المياه، وأوقاف كبيرة تضمن استمرار المؤسسة وتغطية نفقات طلبتها. كما تتفق عدة مصادر على مشهد له دلالة خاصة: السلطان أبو حمو نفسه يحضر مجلس أبي عبد الله الشريف ويجلس على الحصير بين الحاضرين احترامًا للعلم.

هذه التفاصيل تجعل المدرسة واحدة من أهم المؤسسات العلمية التي وصفتها لنا المصادر عن تلمسان الزيانية، لكن معظم سكان المدينة اليوم لا يعرفون عنها إلا القليل، كما أن صورتها الأصلية وموقع منشآتها المختلفة يحتاجان إلى إعادة دراسة اعتمادًا على النصوص القديمة والخرائط والمعطيات الأثرية.

المصادر التي حفظت لنا هذه الأخبار هي نظم الدرر والعقيان لمحمد بن عبد الله التنسي، ومناقب التلمسانيين لعبد الله بن محمد بن يوسف القيسي الثغري التلمساني، وتحفة الرواد ليحيى بن خلدون، وزهر البستان في دولة بني زيان لمؤلف مجهول.

فهل بقي اليوم شيء يمكن أن يساعدنا على تحديد شكل هذه المدرسة كما وصفها مؤرخو القرن الثامن الهجري؟ وهل يمكن من خلال النصوص القديمة إعادة رسم مخططها وموقع بساتينها وصهريجها ودار أبي عبد الله الشريف؟

تعليقات